اسماعيل بن محمد القونوي
366
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها ) أشار إلى أن المشبه به محذوف أقيم سببه وهو الإخراج مقامه وأصل الفتون عرض الذهب على النار وتخليصه من الغش ثم استعمل في القرآن بمعنى المحنة وأشار المص بقوله كما محن وقوله لا يمحننكم إشارة إلى هذا البيان . قوله : ( والنهي في اللفظ للشيطان والمعنى نهيهم عن اتباعه والافتنان به ) أي بطريق الكناية . قوله : ( حال من أبويكم ) إذ النزع وإن كان فعل الشيطان بطريق التسبب لكن منزوعية اللباس عنهما صفة لأبوين . قوله : ( أو من فاعل أخرج وإسناد النزع إليه للتسبب ) هذا واضح ولعله أخره لبعده لفظا واختير صيغة المضارع لاستحضار الصورة البديعة ( إنه يريكم هو وقبيله ) القبيلة الجماعة يكونون من الثلاثة فصاعدا من قوم شتى وجمعه قبل والقبيلة بنو أب واحد والمراد بقبيلته هنا أصحابه وجنده كما أشار إليه المص بقوله وقبيلته وجنوده الظاهر أنها مستعارة لهما لأنها في التعاون كالقبيلة . قوله : ( تعليل للنهي وتأكيد للتحذير من فتنته وقبيله جنوده ) أي تعليل للخبر اللازم للنهي . قوله : ( ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة ) فيه رد على الزمخشري وغيره من المعتزلة المنكرين لرؤية الجن لرقة أجسامهم ولطافتهم وإن كانوا يروننا لكثافة أجسامنا قوله : كما محن أبويكم تقدير لفظ المحن في المشبه به لتناسب المشبه فإن ظاهره تشبيه الفتنة بالإخراج والمعنى على تشبيه الفتنة بالفتنة فلفظ اخرج كناية عن الفتنة . قوله : النهي في اللفظ للشيطان والمعنى نهيهم عن الاتباع والافتتان به فالعدول عن الأصل للمبالغة الحاصلة فيه بسلوك طريق الكناية كما في قوله تعالى : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [ طه : 16 ] وأمثاله فإن ظاهره نهي الكافر أن يصد موسى عنها والمراد نهي موسى أن ينصد عنها وكقوله : لا أريتك ههنا . قوله : حال من أبويكم فهو حكاية حال ماضية كما في قوله تعالى : وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ [ البقرة : 127 ] القواعد قوله تعليل للنهي وتأكيد للتحذير معنى التعليل والتأكيد مستفاد من وقوع هذه الجملة استئنافا واقعا جواب سؤال عند علة النهي فكأنه قيل لا تتبعوا الشيطان ولا تفتتنوا بكيده لأنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم فإذا علل النهي بعلة كان ذلك آكد في التحذير . قوله : ورؤيتهم إيانا هذا جواب للمعتزلة من طرف أهل الحق فإن مذهب الاهتزال في هذه المسألة أن الجن لا يرون كما قال الزمخشري وفيه دليل بين أن الجن لا يرون ولا يظهرون للإنس وأن زعم من يدعي رؤيتهم زور ومخرفة تمسكت المعتزلة بأن الجن لرقة أجسامهم ولطافتها لا يرون والوجه في رؤية الجن الإنس وقالت الأشاعرة إنهم يرون الإنس لأنه تعالى خلق في عيونهم إدراكا والإنس لا يرونهم لأنهم لم يخلق هذا الإدراك في عيونهم كذا قاله الإمام هذا بالنظر على أصل خلقة الجن وذلك لا تنافي أن يراهم الإنسان عند تمثلهم بمثال يمكن أن يدركهم الإنس في ذلك المثال على ما روى صاحب الكشاف في تفسير سورة الأحقاف عن ابن مسعود رضي اللّه عنه